مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
26
شرح فصوص الحكم
المطالعة أو القراءة إن كان من أهله فإن مفردات القرآن الكريم وأجزائه معروفة للعرب قبل نزول القرآن العظيم وأما المعاني المبينة بالقرآن الحكيم فيحتاج في إدراكها إلى الكلام القديم فهذا الكتاب كرامة قوليه له : لا يأتي مثله في هذا الفن أحد من المصنفين لا قبله ولا بعده ، فلا يتصور إدراك هذه المعاني بالكشف إلا من جهته كما لا يصل العلم إلى معاني القرآن إلا من الجهة القرآنية ، فمن لم يصل إليه بعد إبرازه مع القدرة فلا نصيب له من معانيه ولو كان أهل كشف فاجتهد ، فإن المراد بإبراز الكتاب منفعتنا به فهو مأمور بالإبراز بصيغة الأمر لحضوره فيه بقوله : خذه واخرج به إلى الناس ونحن مأمورون بصيغة الغيبة لغيبتنا فيه بقوله ينتفعون به فوجب به علينا الانتفاع ، فالكامل والناقص بعد إبراز الكتاب سواء في احتياج الانتفاع فلا يليق لنا ترك أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ( فسمى هذا المذكور ) وهو الكون الجامع ( إنسانا وخليفة فأما إنسانيته فلعموم نشأته ) وهي المرتبة الجامعة بين النشأة الروحانية وهي على صورة الحق والجسمانية وهي من حقائق العالم وصوره ( وحصره الحقائق كلها ) من الإلهيات والكونيات ، فإنه حينئذ يونس جميع الحقائق فهو من الإنس ( وهو ) بيان لوجه تسمية أخرى ( للحق بمنزلة إنسان العين ) بفتح الهمزة ( من العين الذي به يكون النظر وهو المعبر عنه بالبصر فلهذا ) أي فلأجل أنه للحق بمنزلة إنسان العين من العين ( سمي إنسانا ) بكسر الهمزة للفرق ( فإنه ) تعليل لقوله وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين أي أن الشأن ( به ) أي بالمذكور لا بغيره ( نظر الحق إلى خلقه ) أي إلى موجوداته الخارجية بعد إيجادها به ، فالمقصود الأصل بإيجاد الإنسان الكامل النظر به وهو النظر بالغير في النظر بالذات لا كالنظر بالواسطة إلى خلقه فأحبّ النظر إليهم بالحبّ الذاتي ( فرحمهم ) بسبب نظره الحبي إليهم وأعطى حوائجهم على حسب استعدادهم وإنما قال : فرحمهم مع أن المقصود يتم بدونه وهو بيان لوجه التسمية إشارة إلى أن نظر الحق إلى عباده نظر عناية أزلية فإن اللّه تبارك وتعالى أحب أن ينظر إليهم على الدوام بحسب العوالم ومن لا يحب شيئا لم ينظر إليه فنظر إليهم بعد إيجادهم بسبب حبه فرحمهم بسبب نظره ففيه بشارة للمذنبين حتى لا يقنطوا من رحمة اللّه ، وإنما فسرنا الخلق بالموجودات فإن النظر بالغير لا يتعلق بالمعدوم كالصورة الحاصلة في المرآة فإنه لا يتعلق النظر بها إلا بعد وجودها في المرآة فإن مآل النظر ونتيجته الرحمة والشفقة للمنظور إليه الذي يمسه العذاب ولو مغضوبا للناظر فضلا عن أن يكون محبوبا له بخلاف العلم الخالي عن النظر فهو نظر الرحمة والشفقة لا نظر الوجود ولو كان نظر الوجود كما قال الشارح رحمه اللّه لكان المناسب أن يقال حينئذ : فإنه به نظر الحق إلى الماهيات أي المعدومات لأن الخلق لا يطلق على المعدوم ويقال : فأوجدهم مكان فرحمهم كما قال الشيخ في التدبيرات الإلهية القطب معلوم غير معين وهو خليفة الزمان ومحال النظر والتجلي ومنه يصدر الآثار على ظاهر العالم وباطنه وبه يرحم ويعذب من يعذب ( فهو الإنسان ) لكونه سببا